طرقت بابك يارب بدمع عينى وقلبى أطلب رضاك يارب فلا تؤاخذنى بذنبى"صرخة ضد الظلم"
ظلم النفس
إنَّ الحمد لله, نحمده ونستعينه, ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا, من يهدي اللهُ فلا مضل له, ومن يُضلل فلا هادي له ، وأشهدُ ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وتابعيهم وسلم تسليماً كثيراً .
لن اتحدث اليوم عن ظلم الغير وانه لا يصح وكيف يمكن ان نعدل في التعامل مع الناس و و و ؟ , ولكني ساتحدث عن ظلـــــم النفس ,,,,
ذلك الظلم الذي كان فيه الجاني نحن , والمجني عليه نحن !!؟
يحفل القرآن الكريم بالآيات التي تتحدث عن ظلم النفس كقوله تعالى: (فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). [التوبة: 70]
والسؤال هنا كيف يظلم الإنسان نفسه؟ ذلك أن الظلم نوع من الإساءة فكيف إذن يسيئ الإنسان إلى نفسه؟ والجواب: إن علة الظلم تنجم عن أمرين هما الغفلة والجهل.
صحيح أن الظلم إساءة وأن الإنسان لا يريد الإساءة لنفسه ولكن هذا الأمر يتحقق إذا كان الإنسان قد شخص المسألة وأنه فعل ذلك عمداً مع معرفته، ولو كان الأمر كذلك لما ظلم نفسه أبداً. غير أن الظلم يأتي أحياناً مع تصوره بأنه يحسن إلى نفسه فإذا به يلحق الظلم بها دون أن يدرك ذلك.
فكم من ظالم لنفسه مسيئ إليها وهو يتصور أنه قدم لنفسه الخير، ولكن وبسبب جهله وعدم إدراكه تنقلب الأمور وإذا الخير الذي نواه هو في الحقيقة شر وظلم.
قال تعالى: (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً). [الكهف: 104]
كتب رجل إلى أحد الصحابة يطلب منه موعظة، فكتب الصحابي في جواب رسالته: لا تسيئ إلى أحب الخلق إليك؛ ولم يفهم الرجل القصد من وراء هذه الموعظة إذ كيف يسيئ الإنسان إلى أحب الأشياء إليه؟ فكتب إليه الصحابي: نعم نفسك التي بين جنبيك تسيئ إليها وتظلمها لا عن عمدٍ ولكن عن غفلة وجهالة.
إن كل الذنوب والآثام التي يرتكبها البشر هي في الحقيقة محاولات خاطئة لإيصال الخير إلى النفس في حين أن المسألة على العكس، فهذه المحاولات الخاطئة مواقف عدائية تلحق الضرر بنفس الإنسان؛ وإذن فعلة الظلم إنما تنشأ عن الجهالة والغفلة. وهناك سبب آخر مهم أيضاً، فقد يرتكب الإنسان أحياناً ظلماً ويسيئ إلى نفسه عمداً عن علم وإدراك، وهذا أمر يدعو إلى التعجب.
والسؤال الذي يثار هنا هو كيف يظلم الإنسان نفسه فيصبح ظالماً ومظلوماً أيضاً؟
إن الحالة هنا تشبه إلى حد ما حالة الطبيب، ذلك أن الإنسان يتألف من عقل وشهوة، فشهوته هنا تظلم عقله وتسحق إرادته وتضرب حقه عرض الجدار، وإذن فإن إطاعة الشهوة والانقياد لها ظلم للعقل والضمير والوجدان.
فمثلاً يكذب البائع فيزيد في قيمة بضاعته ويخدع المشتري فيكسب من وراء كذبه منفعة مالية يشتري بها ثوباً أو رغيفاً من الخبز، ولكنه في نفس الوقت يكون قد وجه صفعة إلى وجدانه وضميره، وذلك أنهما لا يسوغان الكذب وخداع الآخرين.
إن الكذب يوجه ضربة قوية للضمير ويضعفه، وإذن فهو يظلم نفسه، كذلك الظالم فالذي يظلم الآخرين يظلم نفسه أيضاً، ذلك أن قلبه يقسو وتغزوه الظلمة ويملؤه التصدع. ولذا فإن القرآن ينعتهم دائماً بأنهم "ظالمون لأنفسهم"، فهم إما يظلمون أنفسهم عن جهل وغفلة أو عن طغيان يسحق إرادة العقل ويدمر إنسانية الإنسان
أتعلمـــــون ما هو أصعب الظلم ؟
أصعب الظلم , عندما يُقدم الإنسان على ظلم نفسه بإرادته او بغير إرادته , بعلمه او دون علمه , متجاهلاً ان نفسه لا تتحمل منه ذلك كله , ولا تستحق ذلك كله ,,
فإن الظلم طبيعة بشرية تنزع إليها النفس ، وتنحدر إليها الطبائع ، فهي متأصله في نفس الإنسان (( وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)) .
فالإنسان ظلوم جهول إلا من زكاه الله بالإيمان والتقوى والعلم والهدى ، والعدل والإنصاف.
والظلم خلق ذميم ، وذنب جسيم ، وأذى عظيم ، فهو يحلق الدين ، ويأكل الحسنات ، ويحيل حياة الناس إلى جحيم وويلات
. وإن من ألوان ظلم النفس الهبوط بها إلى مستنقعات الذنوب والفواحش ، وتلطيخها بقذر الرذائل والخطايا ، فكيف تهون على المرء نفسه فيلقيها في مواطن سخط الله ؟! كيف تهون عليه فيتركها ترعى محارم الله فتتعرض لغضبه وعقوبته ؟! كيف يترك شعلة الإيمان تنطفيء في قلبه ؟ كيف تطيب نفسه أن يدع قلبه ألعوبة بين الشيطان يقلبه في المعاصي كيف يشاء ؟! قال عز وجل : (( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ )) .
فهم قد ظلموا أنفسهم عندما زجوا بها في مواطن الفتن وأسواق الغواية ، ظلموها إذ لم يقوها من أسباب الذنب ودواعي المعصية ، فجرعوها مرارة الهبوط والانحدار يقول عز وجل : (( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )) .
وقال سبحانه : ((وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه)) .
قال ميمون بن مهران :( إن الرجل يقرأ القرآن ويلعن نفسه قيل له وكيف يلعن نفسه قال يقرأ ((أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)) وهو ظالم .
فالمرء حينما يخلو بمحارم الله ثم ينتهكها وهو فرح بها فإنه لا يضر إلا نفسه ، ولا يؤذي غيرها ، ولا يقسو على سواها (( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)) (فصلت:46) فالله لا يظلم عباده وإنما هم الذين يظلمون أنفسهم ((وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)) .
لو كان غيرك ظلمك ، واعتدى عليك ، وحرمك طاعة ربك ، لصحت مستجيراً من ظلمه ، مستنجداً من بغية ، فما بالك تظلم نفسك وتبغي عليها ؟! فالله عز وجل عزيز قوي غني لا تضره معصية ، ولا تنفعه طاعة ، وإنما ذلك لنا أو علينا فلقد جاء في الحديث القدسي : (( يا عبادي ، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً ، يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر . يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه )) رواه مسلم .
فأولئك الساجدون الراكعون التالون لكتاب الله الذاكرون له آناء الليل وأطراف النهار إنما هم عقلاء نظروا شديد عذاب الله ، وعظيم بطشه ، نظروا إلى جهنم وظلماتها في كتاب ربهم وسمعوا شهيقها وزفيرها، وأقلقتهم صيحات المذنبين ، وعويل الغافلين ، فرحموا أنفسهم من سوء المنقلب ، ومغبة العقاب فسعوا في فكاك رقابهم . أولئك المجاهدون الذين حملوا أرواحهم على أكفهم وساروا بأموالهم وأنفسهم إلى ساحات الجهاد وألقوا بمهجهم بين يدي ربهم يسألونه رضاه ، ويطعمون في جنته، إنما رحموا أنفسهم من النيران ، وأشفقوا عليها أن تحرم الجنان ..
((وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين)) .
والذين ينفقون أموالهم في السراء والضراء والذين يؤتوا ما آتوا وقلوبهم وجلة والذين يكثرون الصدقات إنما يجودون على أنفسهم ويرحمونها .
(( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً )) (الانسان:10.9) .
فخوفهم على أنفسهم ورحمتهم بها هو الذي شغف قلوبهم بالإحسان ، فمدوا بالخير أيديهم ، علموا أن كلاً يأتي في ظل صدقته يوم القيامة فألئك هم الراحمون ... والذين يعفون عن ظلم الناس ، ويكفون عن أعراضهم ، إنما يرحمون أنفسهم من عسير الحساب ، وسوء المآب ، إنهم يخافون على حسناتهم أن تذهب لغيرهم ، بما ظلموهم أو اغتابوهم .
أما المتهاونون في المعاصي فإنما يوبقون أنفسهم ، والباخلون بأنفسهم على الجهاد إنما يبخلون عليها بالجنة ، والأشحة الممسكون عن الإحسان والصدقة والبر إنما يبخلون على أنفسهم بمضاعفة الأجر وبركة المال ويبخلون بظل عرش الرحمن الذي وعده المحسنين . وإن من الجور على النفس أن تترك أيامها تضيع عليها سدى فيذهب عمرها هدراً .
الثانية
واعلموا أن من صور ظلم النفس حرمناها أسباب الهداية ، وتفويتها فرص العلم النافع، والوعظ الصادق ، وتركها غافلة سادرة فلا تفيق إلا على نزع الموت .
(( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ)) (المؤمنون:103:99) .
أولئك الذين أوبقوا أنفسهم وأهلكوها ، فما ضروا سواها ، وما آذوا غيرها ، فالزاهدون في النظر في كتاب الله وسنة نبيه ، والمعرضون عن المذكرين بالله وجنته وناره ، الصادين عن العلم النافع وأنديته يظلمون أنفسهم لأنهم يحرمونها من أسباب الحياة ، ويوصدون أمامها أبواب النجاة ، فالنفس إن لم تسمع واعظ الخير تصبح نهباً لوساوس الشيطان ، طريحة لإغراءات الدنيا وزخارفها ، فلا علم يدلها على الخير ، ولا واعظ يحذرها الشر فهي نفس مظلومة محرومة ضعيفة هابطة ... ثم إن الله عز وجل يدعو عباده الذين تورطوا في ظلم أنفسهم بل وبالغوا في ذلك أن ينزعوا عن ظلمها وأن يكفوا عن إيذائها (( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )) (الزمر:53) .
ثم يسمعهم الله صيحات الأنفس المظلومة وعويل المهج المحرومة عليهم يشفقون على أنفسهم ((أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ )) (الزمر:58,55) .
ثم يأتي الرد (( بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ )) (الزمر:59) أجل قد كانت بين يديك آيات بينات لقد كانت أبواب الهداية والاستقامة أمامك مفتوحة ولكنك أعرضت عنها فلا يغني عنك صاحبك اليوم شيئاً إذ ظلمت نفسك وأهلكتها